ابن الجوزي

349

صفة الصفوة

وعن أبي كثير قال : حدثني أبو هريرة قال : ما خلق اللّه عزّ وجل مؤمنا يسمع بي ولا يراني إلا أحبني . قلت : وما علمت بذلك يا أبا هريرة ؟ قال : إن أمي كانت مشركة وإني كنت أدعوها إلى الإسلام وكانت تأبى علي فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما أكره فأتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأنا أبكي فقلت : يا رسول اللّه إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فكانت تأبى علي وإني دعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره ، فادع اللّه عزّ وجل أن يهدي أم أبي هريرة . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « اللهم اهد أمّ أبي هريرة » فخرجت أعدو لأبشرها بدعاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فلما أتيت الباب إذا هو مجاف ، وسمعت خضخضة الماء وسمعت خشخشة رجل فقالت : أبا هريرة كما أنت . ثم فتحت الباب وقد لبست درعها وعجلت عن خمارها فقالت : إني أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا عبده ورسوله . فرجعت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أبكي من الفرح كما بكيت من الحزن ، فقلت : يا رسول اللّه أبشر فقد استجاب اللّه دعاءك وقد هدى أمّ أبي هريرة . وقلت : يا رسول اللّه ادع اللّه لي أن يحببني وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « اللهم حبّب عبيدك هذا إلى عبادك المؤمنين » . فما خلق اللّه مؤمنا يسمع بي ولا يراني أو يرى أمي إلا وهو يحبني « 1 » . وعن الأعرج قال : قال أبو هريرة : إنكم تقولون : ما بال المهاجرين لا يحدثون عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بهذه الأحاديث ؟ وما بال الأنصار لا يحدثون بهذه الأحاديث ؟ وإن أصحابي من المهاجرين كانت تشغلهم صفقاتهم في الأسواق ، وإن أصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أرضوهم والقيام عليها ، وإني كنت أمرأ معتكفا وكنت أكثر مجالسة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، أحضر إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا ، وإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم حدّثنا يوما فقال : من يبسط ثوبه حتى أفرغ من حديثي ثم يقبضه اليه فإنه ليس ينسى شيئا سمعه مني أبدا » فبسطت ثوبي أو قال نمرتي . ثم حدثنا فقبضته إلي ، فو اللّه ما نسيت شيئا سمعته منه ، وأيم اللّه لولا آية من كتاب اللّه ما حدثتكم بشيء أبدا : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى [ سورة البقرة آية 159 ] الآية كلها ، أخرجاه في الصحيحين « 2 » .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم . ( 2 ) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي .